لفرقة عقد الجلاد أغنية رائعة نحبها جميعا “أزهار الشتاء” ولكن أزهار الشتاء بخيلة، فقد بخلت على نفسي كما بخلت عليك. والسياسة مثل الشتاء، لها أزهار بخيلة، تأتي متأخرة، ولكنها حين تأتي تحرك الساكن.
أرسل رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن البرهان رسالة خطية إلى نظيره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فحركت ساكن البركة السودانية الآسنة، وضجت بها الأسافير، بين مؤيد يراها انفتاحا، ومعارض يراها انبطاحا. ولكن دعونا نقرأ ما بين سطورها بهدوء، فهل تطوي هذه الرسالة غابة الشكوك الشوكية التي تضعها أمريكا حولنا؟ وهل تفتح أمريكا أذرعها لنا مثلما فعلت في عهد الرئيس رونالد ريغان؟
في عهد ريغان، دعمت أمريكا جهود الإغاثة حتى صار القمح الأمريكي والزيت الأمريكي يسمى في بيوتنا “عيش ريغان”. وكان الزيت اسمه “الأولين”. وأتذكر جيدا، وأنا شاهد على ذلك العصر، مظاهرة كنا فيها في بري المحس، حيث دس أحد تجار الأزمات من الأحزاب الإسلامية الثلاثة تلك الإغاثة في منزله يبيعها في السوق الأسود، وكنا نهتف بقيادة الراحل المقيم الأستاذ عمار محمد آدم، غفاري زمانه، نهتف: “العيش والزيت في هذا البيت”. رحم الله عمار وأنزل عليه شآبيب رحمته.
فهل يعود عيش ريغان مرة أخرى؟ وهل تفتح واشنطن خزائنها وقلبها للسودان كما فعلت من قبل؟ لنقرأ الرسالة ونقرأ أمريكا.
*أمريكا والسودان.. من الوساطة إلى الإغاثة، جهود سلام لا تتوقف*
منذ انفجار الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، لم تغب الولايات المتحدة عن المشهد السوداني، بل ظلت اللاعب الدولي الأكثر حضورا في ملفي السلام والمساعدات الإنسانية. ورغم تعثر كل المنابر السابقة، من جدة إلى المنامة، فإن واشنطن عادت في عهد الرئيس دونالد ترامب بزخم جديد، بقيادة مستشاره للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس.
*أولا: خارطة طريق الرباعية.. هدنة ثم سلام دائم*
الجهد الأمريكي الأبرز هو قيادة الآلية الرباعية الدولية التي تضم أمريكا والسعودية ومصر والإمارات. في سبتمبر 2025، طرحت الرباعية خارطة طريق من 3 مراحل، صاغتها واشنطن: هدنة إنسانية 90 يوما، ثم وقف دائم لإطلاق النار مع آلية أممية لانسحاب قوات الدعم السريع من المدن، ثم عملية انتقالية جامعة خلال 9 أشهر تفضي لحكومة مدنية مستقلة يختارها السودانيون.
هذه الخطة هي التي رد عليها البرهان برسالة خطية إلى ترامب في 15 أكتوبر 2026، حيث أعلن التزامه بجهود السلام الأمريكية، لكن مع طرح شروطه: انسحاب كامل للدعم السريع، ووقف إعادة التسليح والدعم الخارجي، ووجود رقابة دولية فعالة، وضمان وحدة الجيش ووحدة الدولة.
*ثانيا: الضغط الدبلوماسي لمنع الانهيار*
بجانب الوساطة، مارست واشنطن ضغطا مباشرا: سعت في مجلس الأمن لتوسيع حظر السلاح ليشمل كل السودان، وفرضت عقوبات على أطراف تؤجج الصراع، واتهمت علنا الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية والجيش بارتكاب جرائم حرب. بولس عقد لقاءات في واشنطن والقاهرة والعلمين مع البرهان ومع مستشاره أمجد فريد ومع ممثلي القوى المدنية، مؤكدا أن “الولايات المتحدة على أتم الاستعداد لدعم حوار شامل”.
*ثالثا: الدعم الإنساني.. أمريكا أكبر مانح*
على الأرض، تبقى أمريكا أكبر داعم إنساني للسودان: في 2024 قدمت نحو 844 مليون دولار، وفي 2025 أكثر من 579 مليون دولار، وفي سبتمبر 2026 أعلن بولس تقديم 375 مليون دولار إضافية لبرنامج الأغذية العالمي ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية لإنقاذ الأرواح في دارفور وكردفان. في مؤتمر دولي بواشنطن، حشدت أمريكا تعهدات بقيمة 1.5 مليار دولار جديدة للسودان، تشمل غذاء ودواء ومأوى.
هذه المساعدات هي التي تبقي نحو 13 مليون نازح على قيد الحياة.
*رابعا: رؤية ما بعد الحرب*
الجانب الجديد هو مشروع “سودان إمباكت” في الكونغرس، الذي يقترح تحويل العلاقة من مساعدات إلى شراكة استراتيجية: معدات زراعية وتقنيات تعدين آمن مقابل شراكة في الذهب واليورانيوم والصمغ العربي، لكن بشرط تقدم الحكومة في حماية المدنيين. وهي نفس الرؤية التي ذكرها البرهان في رسالته عن شراكة تشمل البحر الأحمر وإعادة الإعمار.
الخلاصة أن رسالة البرهان لترامب قد تكون هي زهرة الشتاء الأولى التي طال انتظارها، فإن بخلت علينا رياح الشتاء هذه المرة، فستأتي رياح أخرى.