محليةمنوعات
أخر الأخبار

*البرهان وأمري والجابرية.. من يافطة حميد إلى طبل النصري.. 20 عاماً والوعد هو الوعد*

كتب: معتصم طه – مروي
رفعت حاجب الدهشة وأنا أقرأ خبر زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان إلى قرية أمري الجديدة بمحلية مروي، لافتتاح عدد من المنشآت التعليمية.
وتذكرت فوراً قصيدة الراحل المقيم محمد الحسن سالم حميد *”الجابرية”* التي تحكي مأساة أهل الشمال مع الحكومات منذ الستينيات.
حميد قال:
_قال الريس مار بي فوقنا.. من شغلتنا قلعنا عروقنا.. فكينا لو حبل وآسوقنا.. قمنا جميع الحلي مرقنا.. اليافطة أم زيق الدمورية.. الجابرية تحيي الثورة.. دايرين بوسطة ومدرسة وسطى.. الشفخانة وسوق منضبطة.._
وأهل أمري اليوم، بعد 50 سنة من القصيدة، يرفعون نفس اليافطة!
أهل أمري هم ضحايا سد مروي. هجروا قسراً عام 2008 من أرضهم التاريخية على ضفاف النيل – أرض النخيل والجروف – إلى صحراء قاحلة سميت “أمري الجديدة”. وكان وزير السدود والكهرباء الأسبق *أسامة عبدالله* قد وعدهم بـ:
1- *6 أفدنة لكل مستحق* كتعويض زراعي
2- مشروع زراعي متكامل
3- بيوت وخدمات
ومنذ عهد أسامة عبدالله وحتى اليوم – 18 عاماً – *الستة أفدنة لم تروَ حتى الآن*. أرض بور، مشروع متعثر، ووعود تتبخر.
وقبل أسابيع، اعتصم أهالي أمري احتجاجاً على توزيع *مشروع دواجن النيل التابع لشركة زادنا* بين ثلاث جهات. اعتبروه تشتيتاً لجهدهم وتفتيتاً لحقهم. رفعوا لافتات: “أين وعود السد؟ أين الستة فدان؟”
لو كان حضور البرهان في أيام الاعتصام لكان أبلغ، لكن أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي.
*والمفارقة الثانية: الماء*
أهل الجابرية في قصيدة حميد كانوا يحلمون بـ “موية الدش” و “الضو يعم”. وأهل أمري الجديدة اليوم، في 2026، *ما زالوا يشربون من الترعة*!
نعم، القرى الجديدة تشرب من ترعة مشروع أمري الزراعي مباشرة، ماء غير معالج، يختلط بالطمي والأسمدة. الأطفال يصابون بالبلهارسيا والفشل الكلوي. محطة المياه الحلم – *محطة مياه ضخمة بفلاتر* – موجودة في الخرائط فقط منذ 2010.
البرهان وعد في زيارته بحل مشكلة المياه، لكن الأهالي سمعوا نفس الوعد من كل حاكم مرّ بهم.
كما قال حميد:
_وفد في وفد يقوم ويجينا.. دايرة دراسة وإجراءات.. عون أمريكي وقرض ألماني.. ترطن ترجع زي ما جات.. الشفخانة وعايزة دراسة.. مدرسة وسطى وإجراءات.._
نفس السيناريو يتكرر في أمري.
*الطاقة الشمسية.. الحل المنسي*
مشروع أمري الزراعي، الـ 6 أفدنة الوهمية، يحتاج إلى كهرباء لتشغيل الطلمبات. الدولة تقول لا توجد كهرباء. والديزل غالٍ. الحل الذي يطالب به الأهالي منذ 5 سنوات هو *الطاقة الشمسية*.
الشمس في صحراء أمري تحرق الحجر، 12 ساعة سطوع يومياً، تكفي لتشغيل المشروع كاملاً بـ 20 ميغاواط. تكلفة تركيب ألواح شمسية أقل من تكلفة ديزل عام واحد. لكن لا أحد يستمع. وزارة الطاقة تدرس، وشركة زادنا تدرس، و”الإجراءات” لا تنتهي.
لو تم تركيب الطاقة الشمسية، لعاد المشروع للحياة، ولأكل الناس من الـ 6 أفدنة.
*المستشفى.. بديل النقطة*
في قصيدة الجابرية، بنى الأهالي الشفخانة طوبة طوبة، فجاءت السلطة وقالت: “الشفخانة دا ماهو بكانا” وحولتها إلى *نقطة شرطة*!
_ويوما التمت.. جات السلطة.. عربي وعجمي ومرة رطانة.. الشفخانة دا ماهو بكانا.. وغصباً عنك يا الجابرية.. قوة انشكت بين النقطة.._
نفس القصة في أمري الجديدة. الأهالي يطالبون بـ *مستشفى ضخم* يليق بـ 15 ألف نسمة هجروا. يوجد مركز صحي صغير بلا طبيب، بلا دواء، بلا إسعاف. المرأة الحامل تموت في الطريق إلى مروي (70 كلم). المستشفى الضخم الموعود منذ 2009، أساسه موجود لكنه هيكل بلا سقف.
أهل أمري يقولون: نحن لا نريد نقطة شرطة، نحن نريد شفخانة. نحن أهالي وودنا صافي، بيننا معزة جرائم مافي، وما بنحتاج لي شرطة ونقطة.
*النصري يغني.. والبرهان يحتضن*
وسط هذا الوجع، جاء صوت محمد النصري، ملك الطنبور، ليردد في حضرة البرهان:
_ما بتنضامي.. جودك وابل الديمة البكر هطال.. أولادك فوارس في الحروب أبطال.._
اهتزت القاعة. نهض البرهان واحتضن النصري. أعاده للخدمة في الفرقة 19 بعد أن فصل تعسفياً. قال له: “أنت ابن الجيش”.
لكن أهل أمري يقولون: نحن أيضاً أبناء هذا الوطن. احتضنونا كما احتضنتم النصري. أعطونا الستة فدان، محطة المياه، الطاقة الشمسية، والمستشفى.
*أمري وأمريكا*
وبينما كانت أمري تفتح قلبها للبرهان، كانت أمريكا تغلق تأشيرتها في وجهه، وتفرض عليه إقامة جبرية 25 ميلاً في نيويورك، وترفض منحه تأشيرة الدورة 81 بسبب هدنة 90 يوماً اقترحها مسعد بولس.
كأن لسان حال أهل أمري يقول للبرهان: لا تبحث عن شرعية في أمريكا، ابحث عنها هنا، في أمري. الشرعية الحقيقية هي أن تروي العطشان من الترعة، وتضيء المشروع بالشمس، وتشفي المريض بالمستشفى.
كما قال حميد في آخر الجابرية:
_عبو ضراعكم يا رجالة.. وخلو بصركم دغري وسالم.._
رسالة أمري اليوم: عبو ضراعكم، وأدونا حقنا، وستجدوننا فوارس في الحروب أبطال.
نعم يا نصري.. ما بتنضامي يا عازة.. طالما فيك رجال زي ديل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى