
افتتح الجنيه السوداني جلسة اليوم على تداولات شبه مستقرة، إذ تحرك الدولار في نطاق ضيق بين 3665 و3750 جنيهًا في السوق الموازي، بينما سجلت العملات الأوروبية والخليجية مكاسب طفيفة مدفوعة بزيادة الطلب الفوري وعودة نشاط الاستيراد قبل موسم رمضان.
تُظهر حركة التعاملات أن السوق يعمل تحت ضغط سيولة مرتفع، مع استمرار غياب المعروض النظامي من النقد الأجنبي، ما يجعل التسعير اليومي رهينًا لتقلبات المضاربين وتغيرات الطلب التجاري. هذا النمط يعكس بيئة نقدية مشدودة تتأثر مباشرة بتوقعات التضخم وتدهور الثقة في الجهاز المصرفي.
في العملات الرئيسية، حافظ الدولار على موقعه عند أعلى مستوى تاريخي، بينما ارتفع اليورو إلى 4411.764 جنيهًا في أسعار البيع، وصعد الجنيه الإسترليني إلى 5067.567 جنيهًا. كما سجل الريال القطري والجنيه المصري زيادات طفيفة، في إشارة إلى اتساع الفجوة بين أسعار الشراء والبيع مع ارتفاع مخاطر التسعير.
تُظهر بيانات السوق أن الاستقرار الظاهري يخفي خلفه نشاطًا مضاربيًا مبكرًا، إذ يستعد المتعاملون لزيادة موسمية في الطلب على الواردات بعد إعادة فتح بعض المطارات وعودة حركة السفر، ما يعزز توقعات موجة ارتفاع جديدة خلال الأسابيع المقبلة.
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، انتقل الدولار من مستوى 560 جنيهًا إلى 3750 جنيهًا في أسعار البيع الحالية، ما يعكس تراجعًا يفوق 570% خلال أقل من 3 سنوات. هذا الانهيار يتماشى مع تقديرات مؤسسات دولية تشير إلى انكماش اقتصادي يتجاوز 40% وخسائر مباشرة تفوق 26 مليار دولار، إضافة إلى توقف نصف القطاع الصناعي وفقدان 4.6 مليون وظيفة.
تقديرات IFPRI تربط هذا التراجع الحاد باستمرار الصراع، وتؤكد أن اتساع فجوة الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية يرفعان معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تتآكل قدرة الدولة على إدارة السياسة النقدية.
تشير التقارير الدولية إلى أن الاقتصاد السوداني بات يعمل وفق نمط “اقتصاد الحرب”، حيث أصبحت السوق الموازية المرجع الأساسي لتسعير العملات، بينما تراجعت التحويلات الخارجية وتقلصت الصادرات الزراعية والمعدنية نتيجة توقف الإنتاج ونزوح العاملين.
كما ارتفعت مؤشرات انعدام الأمن الغذائي إلى مستويات تتجاوز معايير تصنيف المجاعة، وفق تقديرات الأمم المتحدة، في وقت تتوسع فيه الشبكات غير الرسمية لتوفير السلع والخدمات، ما يعمّق اعتماد الاقتصاد على قنوات خارج النظام المالي الرسمي.
تشير التقديرات المتداولة في السوق إلى أن الدولار يتجه نحو مرحلة صعود جديدة قد تدفعه إلى تجاوز مستوى 5000 جنيه خلال الربع الأول من 2026، في ظل تزايد الضغوط الموسمية المرتبطة بارتفاع الطلب على الواردات مع اقتراب شهر رمضان، واستمرار الحرب دون أي مؤشرات على انفراج سياسي أو اقتصادي. ويعزز هذا الاتجاه ضعف احتياطيات النقد الأجنبي وتراجع قدرة البنوك على توفير السيولة، ما يترك المجال مفتوحًا أمام السوق الموازي لقيادة حركة التسعير. كما يبقى التضخم عند مستويات ثلاثية الأرقام رغم محاولات البنك المركزي الحد من المعروض النقدي، وهو ما يضيف مزيدًا من الزخم إلى توقعات استمرار ارتفاع العملات الأجنبية خلال الأسابيع المقبلة.
تظل حركة العملات في السودان رهينة تطورات الصراع، ومستويات الطلب التجاري، وقدرة السوق على توفير سيولة نقد أجنبي خلال الأسابيع المقبلة. ومع اقتراب موسم الاستيراد المرتفع، يراقب المتعاملون أي إشارات حول تدخلات نقدية محتملة أو تغيرات في تدفقات السلع، بينما تبقى المخاطر الصعودية للدولار هي السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب.



